محمد جمال الدين القاسمي
193
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة النساء ( 4 ) : آية 60 ] أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً ( 60 ) أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ يعني القرآن وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يعني التوراة . ووصفهم بادعاء الإيمان بالقرآن وبما أنزل من قبله ، لتأكيد العجيب من حالهم وتشديد التوبيخ والاستقباح ، ببيان كمال المباينة بين دعواهم المقتضية حتما للتحاكم إلى الرسول ، وبين ما صدر عنهم من مخالفة الأمر المحتوم يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ الداعي إلى الطغيان بالحكم على خلاف المنزل إليك والمنزل على من قبلك . وتقدم قريبا معاني الطاغوت . والمراد به هاهنا ما سوى كتاب اللّه وسنة رسوله ، من الباطل وَقَدْ أُمِرُوا في جميع تلك الكتب أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ أي يتبرؤوا منه . لأنه تحاكم على خلاف ما أنزل اللّه في كتبه فيعصونه ويطيعون الشيطان وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أي من الجن والإنس أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيداً عن الحق والهدى . وقوله وَيُرِيدُ إلخ عطف على ( يريدون ) داخل في حكم التعجيب . فإن اتباعهم لمن يريد إضلالهم وإعراضهم عمن يريد هدايتهم ، أعجب من كل عجيب . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة النساء ( 4 ) : آية 61 ] وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً ( 61 ) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ أي : إلى حكم ما أنزل اللّه في القرآن الذي تدعون الإيمان به وَإِلَى الرَّسُولِ أي : حكمه رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ أي يمنعون خصومهم فيبعدونهم عَنْكَ صُدُوداً بليغا ليتمكنوا مما يريدونه بالرشوة . وقوله تعالى : وَإِذا قِيلَ إلخ تكملة لمادة التعجيب ببيان إعراضهم صريحا عن التحاكم إلى كتاب اللّه تعالى ورسوله ، إثر بيان إعراضهم عن ذلك في ضمن التحاكم إلى الطاغوت . وإظهار ( المنافقين ) في مقام الإضمار للتسجيل عليهم بالنفاق . وذمهم به . والإشعار بعلة الحكم . تنبيه - في سبب نزولها أخرج ابن أبي حاتم والطبرانيّ بسند صحيح عن ابن عباس قال : كان أبو برزة